وبينما كان التهديد بحرب فعلية مع سوريا يهز الأرض حرفيًا على طول الحدود، كانت هناك وما زالت معركة أخرى هيمنت على المجتمع التركي لعقود من الزمن، والتي ربما كانت نتيجتها هي الحكم في مؤامرة الانقلاب بالمطرقة الثقيلة، والحكم على هؤلاء. مسؤولاً عن أحكام بالسجن لفترات طويلة.
المطرقة الثقيلة هي بمثابة نهاية لتركيا الحديثة. طوال العصر الحديث، كافحت تركيا ضد العلمانية. بدأت المعركة بالعديد من الإصلاحات الجذرية التي تم تنفيذها خلال السنوات الأولى للجمهورية، وكانت بمثابة بداية حقبة كان فيها الدين مضطهدًا. وقد مُنح هذا القمع السلطة القانونية والقوة من خلال استخدام القوة العسكرية والسياسية. ومع ثقل السلطة الدستورية، سُمح للجيش بفرض هذا القمع من خلال نشر قوات الانقلابات المسلحة في الأعوام 1960 و71 و80 و97.
وما لا يفهمه النقاد خارج تركيا في الغرب في كثير من الأحيان هو أن فكرة العلمانية التي يعتزون بها باعتبارها حرية ممارسة العقيدة ليست هي ما كانت عليه العلمانية بالنسبة لتركيا على مدى العقود التسعة الماضية. لقد كانت التهديدات الجسدية والقتل والانقلابات وحظر الأحزاب السياسية هي القاعدة السائدة، وكل ذلك باسم العلمانية. لكن هذه لم تكن علمانية حقيقية على الإطلاق. لقد كان دائما القضاء على حرية الإيمان.
وصلت هذه المعركة إلى ذروتها في عام 2003 عندما سعى أفراد من أعلى الرتب في الجيش، إلى جانب آخرين في هيكل السلطة النخبوية، إلى الإطاحة بحكومة منتخبة ديمقراطياً. وقد تم ذلك ظاهرياً باسم الدولة التركية النقية، مثل تلك التي تصورها أتاتورك. لكن في الواقع، كانت هذه محاولة عنيفة للتشبث بالسلطة التي تم اكتنازها بغيرة طوال التاريخ السياسي التركي الحديث. وكان من المقرر أن يتم ذلك من خلال استخدام العنف في شكل اغتيالات للمدنيين الأتراك وأعمال إرهابية، مثل تفجير طائرة أثناء الطيران، والإرهاب في أقسى أشكاله. ولم تكن هذه الأعمال بأي حال من الأحوال داعمة للعلمانية. وكانت هذه الأفعال مرتكبة بحتة سعياً وراء الهيمنة السياسية.
المعركة التركية الداخلية لا يعرفها الكثيرون خارج تركيا. ولم تتصدر الأحكام الصادرة في قضية المطرقة عناوين الأخبار خارج حدود تركيا. وعندما ظهروا في الأخبار خارج تركيا، كان التحليل في كثير من الأحيان مثيرًا للقلق أو ضعيف المعلومات.
إن تجريد هيكل السلطة الذي سعى إلى القمع لعقود من الزمن من خلال الأحكام في قضية المطرقة يمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ الديمقراطية في تركيا. ويمكن النظر إليه على أنه بداية دولة غير قمعية لا تتدخل في حرية الناس في ممارسة شعائرهم الدينية، ولا يحاول فيها الجيش الإطاحة بالأحزاب السياسية المنتخبة ديمقراطياً. وبينما تبنى النقاد الغربيون ذات يوم مفاهيمهم الخاطئة حول تركيا والتعددية، فمن خلال هذه الأحكام في قضية المطرقة، اتخذت تركيا خطوة مهمة في إغلاق الباب أمام الاضطهاد الديني والدخول في عصر من الديمقراطية الدستورية العلمانية، والتركية بشكل واضح. وتبدأ تركيا الآن العمل على تحسين معاييرها الديمقراطية، والابتعاد عن العصر الذي حاولت فيه مجموعات داخل المؤسسة العسكرية اختطاف ديمقراطيتها الناشئة.
*توماس سورلي محاضر عام وكاتب تخصصه في اللاهوت والتاريخ الإسلامي. ينصب تركيزه على التنمية الإسلامية في العصر الحديث والربيع العربي. [email protected]
(زمان اليوم)



